فصل: الباب العاشر: في حكم مال الخراج ومصارفه والتصرف فيه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الاستخراج لأحكام الخراج



روى أبو عبيد حدثنا أبو مسهر حدثنا سعيد بن عبدالعزيز قال قدم سعيد بن حذيم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال له عمر رضي الله عنه: ما لك تبطئ بالخراج؟! فقال: أمرتنا أن لا نزيد الفلاحين على أربعة دنانير فلسنا نزيدهم على ذلك ولكنا نؤخرهم إلى غلاتهم فقال عمر رضي الله عنه: لا عزلتك ما حييت.
قال أبو عبيد: إنما وجه التأخير إلى الغلة للرفق بهم قال ولم نسمع في استيفاء الخراج والجزية وقتا من الزمان يجتبى فيه غير هذا.
ثم روي عن مروان بن معاوية عن خلف مولى آل جعدة عن رجل من آل أبي المهاجر قال استعمل علي رضي الله عنه رجلا على عكبرا فذكر نحو حديث عبدالملك بن عمير مختصرا وقال فيه لا تبيعن لهم في خراجهم حمارا ولا بقرة ولا كسوة شتاء ولا صيف وأرفق بهم.
وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا يباع لهم شيء في الخراج قال صالح سألت أبي عن الرجل يبيع الشيء على حد الضرورة أيشتري منه قال لا كأنه يؤخذ بخراج فيبيع ليؤدي قال لا يعجبني أن يشتري منه.
وذكر الحسن بن زياد اللؤلؤي في كتاب الخراج أنهم إن كسروا من الخراج شيئا لم يبع لهم عرضا ولم يعدل بهم وإن صار على أحد منهم ما شد بعدما مضت السنة لم يأخذه بالماشد.
وفي صحيح مسلم عن هشام بن عروة عن أبيه عن هشام بن حكيم ابن حزام قال مر بالشام على أناس وقد أقيموا في الشمس وصب على رءوسهم الزيت فقال ما هذا قيل يعذبون في الخراج قال أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يعذب الذين يعذبون في الدنيا». وفي رواية أخرى له: «حبسوا في الجزية».
المسألة الثانية في مصرف الخراج ومصرفه مصرف الفيء عند الجمهور وقد سبق لأحمد نصوص متعددة بذلك وأن حكم السواد حكم الفيء يعني مغله وخراجه وكذلك قال في رواية بكر بن محمد وأبي النصر الفيء ما صولحوا عليه من الأرضين وجزية الرءوس وخراج الأرضين فهذا لكل المسلمين فيه حق الغني والفقير وهذا أيضا مذهب الحسن بن حي والشافعي ونقل صاحب التهذيب من المالكية وهو البرادعي قال الأوزاعي وقف عمر والصحابة رضي الله عنهم الفيء وخراج الأرضين للمجاهدين ففرض منه للمقاتلة والعيال والذرية فصار ذلك سنة لمن بعده فمن افترض فيه ونيته الاجتهاد فلا بأس به قال قال مالك أما جزية الأرض فلا أدري كيف كان يصنع فيها إلا أن عمر رضي الله عنه أقر الأرض ولم يقسمها بين الذين فتحوها وأرى لمن نزل ذلك به أن يكشف عنه من يرضاه من أهل العلم والأمانة من أهل البلد كيف كان الأمر في ذلك.
وإنما توقف فيه مالك لأن الخراج ليس مأخوذا من الكفار خاصة بل يؤخذ من الكفار وغيرهم وهو مأخوذ بعقد معاوضة لكنه لما كان عوضا عن منفعة الأرض المستحقة للمسلمين التي هي فيء لهم صرف مصرف الفيء وقد تقدم عن معمر أنه قال بلغنا أن هذه الآية ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى نزلت في الجزية والخراج.
وذكر ابن المغلس الظاهري من أصحاب داود أن مال الجزية عندهم يصرف في المصالح وليس بفيء فإن الفيء عندهم يخمس كله ولم يذكر قولهم في مصرف الخراج وقد ذكر طائفة من أصحابنا الاختلاف في تخميس الفيء وعدوا ما من جملة أموال الفيء المختلف في تخميسه الجزية والخراج ومنهم من قال لا يخمس الخراج وإن قلنا بتخميس الفيء كذا ذكره القاضي في الأحكام السلطانية إلا أنه علل بأن أصله قد خمس وهو الأرض المغنومة وهذا لا يجيء على المذهب فإن المذهب أن الأرض كلها توقف من غير تخميس.
وحكى طائفة من أصحابنا منهم أبو الخطاب الإجماع على أن الجزية لا تخمس فالخراج أولى إذ الجزية مأخوذة من مال الكفار وأما الخراج فهو عوض عن مالهم.
المسالة الثالثة للإمام ولاية المطالبة بالخراج كجزية الرءوس وقد كان عمر وعثمان وعلي ومن بعده يبعثون عمالهم على جباية الخراج وهذا متفق عليه فإن طالب للإمام وجب الدفع إليه وما لم يجز تفرقته وذكر القاضي والأصحاب في كتاب الزكاة أنه لا يجوز تفرقته دون الإمام بخلاف الزكاة وفرقوا بينهما بأن الزكاة فرض من فروض الإسلام ومصارفها معينة فجاز لمن وجبت عليه أن يتولاها بنفسه والخراج والجزية يصرف في المصالح العامة ويحتاج إلى اجتهاد ويتعلق بها حق جميع المسلمين والإمام هو النائب لهم.
والمجتهد في تعيين مصالحهم وكذا ذكر القاضي في الأحكام السلطانية متابعة للماوردي أن أموال الصدقات تجوز أن ينفرد أربابها بقسمتها في أهلها بخلاف من في يده من مال الفيء فإنه ليس له أن ينفرد بقسمته في مستحقيه حتى يتولاه أهل الاجتهاد من الأئمة.
وذكر القاضي في خلافه الكبير في مسائل الاجتهاد أن المنصوص عن أحمد أنه يجوز لمن عليه الخراج أن يتولى تفرقته بنفسه على مستحقيه ثم ذكر قول أحمد في رواية محمد بن العباس وسئل عن الرجل يكون له الغلات في مثل هذا البلد يعني بغداد فيمسحها ويخرج خراجها على ما وظف عمر رضي الله عنه على السواد ويقسم على المساكين قال إن فعل فهو حسن وكذلك نقل يعقوب بن بختان في الرجل عما في يديه على ما وظف عمر رضي الله عه على كل جريب يتصدق به قال ما أجود هذا ثم علله القاضي بأنه مال لا قوام غير معنيين فجاز لمن حصل في يديه تفرقته كاللقطة والزكاة قال ويتخرج المنع وأنه يحمله إلى الإمام لأنه قال فيمن كانت في يده رهون لا يعرف مالكها أنه يتصدق بها ويرفعها إلى الحكام.
وللقاضي طريقة ثالثة كتبها بخطه على ظهر جزء من خلافه أنه يجوز عند تعذر الإمام المجتهد العادل لمن عليه الخراج أن يتولى إخراجه بنفسه على مستحقيه بغير خلاف وذكر نص أحمد المتقدم ثم قال والوجه فيه أنه قد تعذر الوصول إلى جهة الإمام الذي تولى إخراج ذلك في وجوهه قال وقد أجاز أحمد ما هو في معنى هذا فيمن في يده وديعة ولا يعرف مالكا جاز له أن يتصدق بها وكذلك قال في الرهون إذا عدم أصحابها قال والوجه فيه أنه مال ليس له مالك معين فجاز لمن حصل في يده أن يتولى صرفه بنفسه كاللقطة قال فإن كان من وجب عليه الخراج يجوز صرفه عليه فهل يجوز له صرف ذلك إلى نفسه نقل عن أحمد ما يدل على جوازه لأنه قال في رواية الميموني في الوالي يدع الخراج فقال لا الخراج فيء لو تركه أمير المؤمنين كان فأما من دونه فلا قال فقد أجاز إسقاط الخراج عنه قبل قبضه منه لذلك في حق من وجب عليه لأن الخراج حق في الذمة فلا معنى لأخذه منه ورده عليه وتفارق الزكاة لأنها تجب في العين فلهذا إذا وجبت عليه وهو ممن يجوز أن يرد عليه أنها تقبض منه قال ويحتمل المنع لأنه قد وجب عليه إخراج ذلك من ماله ولا يجوز له أخذه لحق نفسه من تحت يده كزكاة ماله إذا كان به حاجة إليها انتهى ما ذكره.
وعندي أن كلام أحمد في جواز صرف الخراج إلى مستحقه إنما هو فيما إذا لم يطالب به الإمام فإن كلام أحمد إنما هو في دور بغداد كما كان هو يفعل بداره ومعلوم أن دور بغداد لم يكن السلطان يطالب بخراجها فأما مع مطالبه الإمام وبعثه الجباة لأخذ الخراج فليس في كلام أحمد جواز تولى أخراج ذلك لمن هو عليه وأما أخذه من رواية الميموني أن من عليه الخراج له أخذه لنفسه فإن رواية الميموني تدل على عكس ذلك فإنه لم يجز فيها لمن دون الإمام الأعظم من ولاة الأمور الاستبداد بإسقاطه فكيف يجيز ذلك لمن هو عليه أن يسقطه عن نفسه وإنما في نصه هذا أن إيتاء الخراج ليس بواجب بخلاف الزكاة وسنذكر هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
ومذهب أبي حنيفة إذا أخرج الخراج بدون إذن الأمام فله أخذه منه ثانيا وإن لم يطلبه الإمام أخرجه المالك.
المسألة الرابعة إن قبض الخراج ليس بواجب عندنا بل يجوز للإمام إسقاطه عمن وجب عليه إذا كان من مستحقه وقد تقدم نص أحمد بذلك في رواية الميموني وهو قول أبي يوسف وقال محمد بن الحسن وإسحاق ابن راهويه فيما نقله عنه حرب لا يجوز بل يجب فيه القبض كعشر الزكاة وقد تقدم أن القاضي فرق بين الزكاة والخراج بأن الخراج حق في الذمة فلا معنى لأخذه منه ورده عليه كما يقول في تقاضي الدينين في الزكاة عندنا وعند الأكثرين وهذا الفرق إنما يجب عندنا بوجوب الزكاة في العين أما على قولنا بوجوبها في الذمة فلا يتوجه وفرق غيره بينهما بأن الزكاة يجب إيتاءها لله عبادة وطهرة فالإخراج فيها واجب ولهذا يشترط لها النية ولا يحصل ذلك بالإسقاط بخلاف الخراج فإنه حق لبيت المال من جنس حقوق الآدميين العامة كثمن ما اشتراه من بيت المال وقيمة ما أتلفه له فيجوز للإمام إسقاطه عمن هو عليه وأيضا فالزكاة يعتبر فيها تمليك المستحق ويجوز صرفها إلى من لا يملك بخلاف مال الفيء فإنه يصرف في المصالح العامة كسد البثوق وكري الأنهار وعمارة القناطير فجاز أن يبرأ منه من هو عليه.
المسألة الخامسة إقطاع الإمام الخراج قال القاضي في الأحكام السلطانية الخراج يختلف حكم إقطاعه بخلاف حال مقطعه وله ثلاثة أحوال:
أحدها أن يكون من أهل الصدقة فيجوز لأنه يجوز صرف الفيء في أهل الصدقة وقال قوم لا يجوز صرف الفيء إلى أهل الصدقة كما لا يستحق الصدقة أهل الفيء.
الحالة الثانية أن يكون من أهل المصالح ممن ليس له رزق مفروض فلا يصح أن يقطعوه على الإطلاق وإن جاز أن يقطعوا من مال الخراج لأن ما يقطعونه إنما هو من صلات المصالح فإن جعل لهم من مال الخراج شيء أجري عليه حكم الحوالة والتسبيب لا حكم الإقطاع فيتعين في جوازه شرطان أحدهما أن يكون بمال مقدر وقد وجد سبب استباحته والثاني أن يكون مال الخراج قد حل ووجب فيصح التسبب عليه والحوالة به فيخرج بهذين الشرطين عن حكم الإقطاع.
والحالة الثالثة أن يكون من أهل فرض الديوان وهم الجيش فهم أخص الناس بجواز الإقطاع لأن لهم أرزاقا مقدرة تصرف إليهم مصرف الاستحقاق لأنها أعواض عما أصدروا نفوسهم له من حماية البيضة والذب عن الحريم وإذا صح أن يكونوا من أهل الإقطاع روعي حينئذ حال الخراج فإن له حالين حال تكون جزية وحال تكون أجرة فأما ما كان جزية فهو غير مستقر على التأبيد لأنه مأخوذ مع بقاء الكفر وزائل مع حدوث الإسلام فلا يجوز إقطاعه أكثر من سنة لأنه غير موثوق باستحقاقه بعدها فإن أقطعه سنة بعد حلوله واستحقاقه صح وإن أقطعه في السنة قبل استحقاقه لم يجز لأنه مضروب للوجوب.
وأما ما كان من الخراج أجرة فهو مستقر الوجوب على التأبيد فيصح إقطاعه سنين وإذا كان كذلك لم يخل حال إقطاعه من ثلاثة أقسام أحدها أن يكون بسنين معلومة كإقطاعه عشر سنين فيصح إذا روعي فيه شرطان أحدهما أن يكون رزق المقطع معلوم القدر عند باذل الإقطاع فإن كان مجهولا عنده لم يصح والثاني أن يكون قدر الخراج معلوما عند المقطع وعند باذل الإقطاع فإن كان مجهولا عندهما أو عند أحدهما لم يصح وإذا كان كذلك لم يخل حال الخراج من أحد أمرين أما أن يكون مقاسمة أو مساحة فإن كان مقاسمة فمن جوز من الفقهاء وضع الخراج على المقاسمة جعله من المجهول الذي لا يجوز إقطاعه وإن كان الخراج مساحة فهو على ضربين أحدهما أن لا يختلف باختلاف الزرع فهذا معلوم يصح إقطاعه والثاني أن يختلف باختلاف الزروع فينظر رزق مقطعه فإن كان في مقابلة أقل الخراجين صح إقطاعه لأنه راض بنقص إن دخل عليه وإن كان في مقابلة أقل الخراجين لم يصح إقطاعه لأنه قد يوجد فيه زيادة لا يستحقها ثم يراعى بعد صحة الإقطاع في هذا القسم حال المقطع مدة الإقطاع فإنها لا تخلو من ثلاثة أحوال أحدها أن يبقى إلى انقضائها على السلامة فهو على استحقاق الإقطاع إلى انقضاء المدة الحالة الثانية أن يموت قبل انقضاء المدة فيبطل الإقطاع في المدة الباقية بعد موته ويعود إلى بيت المال فإن كانت له ورثة دخلوا في إعطاء الذراري لا في أرزاق الأجناد وكان ما يعطى تسبيبا لا إقطاعا.
الحالة الثالثة أن تحدث زمانة فيكون باقي الحياة مفقود الصحة ففي بقاء إقطاعه بعد زمانته احتمالات أحدها أنه باق عليه إلى انقضاء مدته إذا قيل إن رزقه بالزمانة لا يسقط والثاني يرجع منه إذا قيل إن رزقه بالزمانة يسقط فهذا حكم القسم الأول إذا قدر الإقطاع بمدة معلومة القسم الثاني من أقسامه أن يستقطعه مدة حياته ثم لورثته وعقبه من بعده فهذا الإقطاع باطل لأنه قد خرج بهذا الإقطاع عن حقوق بيت المال إلى الأملاك الموروثة وإذا بطل كان ما اجتباه منه مأذونا فيه عن عقد فاسد فيرى أهل الخراج نقيصته وحوسب به من جملة رزقه فإن كان أكثر رد الزيادة وإن كان أقل رجع بالباقي وأظهر السلطان فساد الإقطاع حتى يمتنع من القبض ويمتنع أهل الخراج من الرفع فإن رفعوه بعد إظهار ذلك لم يبروا منه.
القسم الثالث أن يستقطعه مدة حياته ففي صحة الإقطاع احتمالان أحدهما أن صحيح إذا قيل أن حدوث زمانة لا يقتضي سقوط رزقه والثاني أنه باطل إذا قيل أن حدوث زمانته موجب لسقوط رزقه وإذا صح الإقطاع فأراد السلطان استرجاعه من مقطعه جاز ذلك فيما بعد السنة التي هو فيها ويعود رزقه إلى ديوان العطاء فأما في السنة التي هو فيها فينظر فإن حل رزقه فيها قبل حلول خراجها في رزقه جاز استرجاعه منه لأن تعجيل المؤجل إن كان جائزا فليس بلازم.
فأما أرزاق من عدا الجيش إذا اقطعوا بها مال الخراج فينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها من يرزق على عمل غير مستديم كعمال المصالح وجباة الخارج فالإقطاع بأرزاقهم لا يصح ويكون لهم من مال الخراج تسبيبا وحوالة استحقاق الرزق وحلول الخراج.
القسم الثاني من يرتزق على علم مستديم يجري رزقه مجرى الجعالة وهم الناظرون في أعمال البر التي يصح التطوع بها إذا ارتزقوا عليها كالمؤذنين والأئمة فيكون ما جعل لهم في أرزاقهم تسبيبا به وحوالة عليه ولا يكون أقطاعا.
القسم الثالث من يرتزق على عمل مستديم يجيء رزقه مجرى الإجارة وهو من لا يصح نظره إلا بولاية وتقليد مثل القضاة والحكام وكتاب الدواوين فيجوز أن يقطعوا بأرزاقهم خراج سنة واحدة ويحتمل جوازا قطاعهم أكثر من سنة وفيه وجهان أحدهما يجوز كالجيش والثانية لا يجوز لما يتوجه إليه من العزل والاستبدال انتهى ما ذكره وفي بعضه نظر وتأمل وحاصل ما ذكره أنه لا يكون إقطاع الخراج إقطاعا صحيحا لازما إلا إذا كان على عمل مستديم ويكون الرزق فيه يجري مجرى الإجارة وهذا ما لا يصح الدخول فيه بدون تولية من الإمام وأذن منه وهو على قسمين:
أحدهما من لا يجوز صرفه ما دام أهلا للعمل كالجند فهذا إقطاع صحيح.
والثاني من يجوز الاستبدال به فهل هو إقطاع صحيح أم لا فهو على وجهين وأدخل القضاة في هذا القسم وهذا إنما يصح على القول بجواز عزل القاضي فإن قلنا لا يجوز عزله كان كالمجاهدين وأما من يأخذ على غير عمل كالفقراء أو على عمل لا يدوم كجباة الخراج ونحوهم فلا يصح إقطاعهم من الخراج وكل من لا يصح إقطاعه كان ذلك حوالة له على الخراج فيصح بعد حلول رزقه إن كان له رزق بعد حلول الخراج وكلامه يدل على أن رزق المقطع في الديوان لا يبطل بهذا الإقطاع وإنما يكون هذا الإقطاع عوضا عنه حتى أنه لم يجز أن يقطع زيادة على رزقه وفي هذا نظر بل الأظهر أن للإمام أن يزيد رزق من شاء من المقاتلة وما ذكره من إقطاع الجندي من الخراج مدة حياته ينبني على الخلاف في سقوط رزقه من الديوان بالزمانة ففيه نظر إذ الأصل السلامة وما ذكره من الفرق بين إقطاع الخراج والجزية وأنه لا يجوز الجزية الإقطاع أكثر من سنة واحدة لجواز إسلام الذمي إنما يصح في إقطاع جزية معين من أهل الذمة.
فأما إقطاع جزية أهل بلد يمتنع في العادة إسلامهم فلا يتأتى ذلك وهذا كله في خراج العنوة وأما خراج الأرض التي صالحونا أنها لهم بالخراج فهي كالجزية إذا قلنا إن خراجها يسقط بالإسلام ويستفاد من كلامه هذا أن أهل فرض الديوان من المجاهدين يأخذون ما يأخذونه من الديوان عوضا عن أعمالهم فلو أقطع أحدهم منافع أرض بيت المال كمنافع الأرض الخراجية فإنه يملكها بمجرد إقطاعه لأنه إنما أخذها بمعاوضة عن عمله وقد تردد المتأخرون من الشافعية والحنفية في ذلك وزعم بعضهم أنما يأخذونه على وجه الإباحة فلا يملكون شيئا منها بدون قبضة ومنهم من زعم أنه لا يملكها بحال بل يستبيح الانتفاع بها كطعام الضيف وبنوا على ذلك أنه لا يجوز إجارتها كالعارية وقال كثير من الشافعية وأصحابنا يجوز إجارتها لما ذكرناه ولأن الإمام يأذن في ذلك عرفا فهو كإذن المعين في إجارة العارية على تقدير أن يكون إباحة حتى عدى بعض أصحابنا القول بمنع إجارة الإقطاع من البدع الحادثة وزعم أن الإجماع القديم انعقد على جوازه ولكن يقال الإقطاعات القديمة إنما تعرف في إقطاع التمليكات وأما إقطاع الاستغلال فلا يعرف في زمان السلف وقد أنكر الإمام أحمد على أمراء زمانة أنهم يقطعون من شاءوا ثم ينتزعون منه ذلك والإقطاع لا ينتزع ممن أقطعه وهذا يدل على أنه لم يعهد إقطاع الاستغلال للمنافع حتى زعم بعض أعيان الشافعية المتأخرين أن أصحابهم لم يذكروا في كتبهم بالكلية وكأنه لم يقف على كلام الماوردي في الأحكام السلطانية فإنه ذكر فيها إقطاع الخراج كما ذكرها القاضي بل القاضي أتبعه في ذلك وذكر أن القاضي عياضا المالكي ذكر جواز إقطاع الاستغلال من أرض بيت المال وقد حمل بعضهم إقطاع النبي صلى الله عليه وسلم من البحرين على أنه إقطاع من جزية أهلها لأن البحرين كانت صلحا ولم تؤخذ عنوة حتى يملك المسلمون رقاب أهلها ولكن روي عن الزهري ما يخالف ذلك وأنها كانت أرض فيء موقع سبق ذكره.
وممن صرح بإقطاع المنافع للاستغلال القاضي أبو يعلى في كتاب الأحكام السلطانية وحمل كلام أحمد في إقطاع عثمان رضي الله عنه من السواد على ذلك كما سبق ذكره وكذلك قال ابن عقيل في الفصول.
المسألة السادسة لو أخذ السلطان من صاحب الخراج أقل من قدر الخراج الواجب عليه فنص أحمد في رواية الأثرم وابن مشيش وأبي داود وصالح على أنه لا يجوز ولابد من بقية الخراج ونص في رواية ابن مشيش أيضا على أنه يجزيه ذلك وهذا ينبني على أن قدر الخراج هل يجوز تغييره بحسب اجتهاد الإمام أم لا يزاد ولا ينقص على ما وضعه عمر رضي الله عنه وقد سبق الكلام في ذلك مستوفى وإن أخذ منه زيادة على الخراج الواجب عليه فإن كانت الزيادة باجتهاد سائغ فلا كلام وإن كانت ظلما محضا فقال في رواية الأثرم أي شيء يفعل يشير إلى أنه كمغصوب منه ماله قهرا وحكى أبو الخطاب في الهداية في جواز الاحتساب من العشر روايتين عن أحمد وأن الجواز اختيار أبي بكر عبد العزيز وأصل المسألة ما إذا ظلم الساعي في الزكاة يأخذ زيادة بغير تأويل هل يحتسب بها رب المال أم لا على روايتين واختيار أبي بكر أنه يحتسب بها من سنة أخرى أو من مال آخر وقد سبق في الباب الرابع نص أحمد في رواية حرب فيمن أخذ السلطان منه بعض ثمرته مقاسمة على وجه الخراج من أرض الصلح أنه يحتسب بها من العشر وهذا ظاهر لان المأخوذ منه مقاسمة مأخوذ من ثمرته وقد أخذ منه بجهة باطلة وعليه حق في الثمرة بوجه صحيح فيحتسب بذلك من الواجب الذي عليه ونظيره أن تؤخذ منه زكاة عن مال قد خرج عن ملكه ظلما وعدوانا فيحتسب به من زكاة في ملكه من جنسه فأما أن أخذ منه على وجه الخراج فاحتسب به من العشر فقد اختلف الجنسان.
ونقل حرب أنه سئل إسحاق بن راهويه عن قناة عندهم كانت عشرا فجاء سلطان جائر فحولها إلى الخراج هل يحل لنا أن ندخر عنهم شيئا قال هي عشر كما كانت وقال يحل ذلك ورخص فيه يعني الادخار وهذا يشعر بأنه لا يحتسب بما يأخذه من الخراج ظلما من العشر اللهم إلا أن يكون هذا الظالم يجمع بين أخذ الخراج الذي أحدثه والعشر وقد اختلف الأصحاب في محل الروايتين في الاحتساب بالزيادة التي يأخذها الساعي ظلما فمنهم من حكاها على الإطلاق كأبي بكر وغيره ومنهم من نزلها على اختلاف حالين ثم اختلفوا فقالت طائفة منهم إن كان المال المأخوذ باقيا في يد الساعي أو الإمام ونوى به صاحبه الزكاة أجزأه وإن تلف قبل ذلك لم يجزئه ونزلوا الروايتين على ذلك ومنهم القاضي أبو يعلى وقالت طائفة إن نوى عند أخذ الساعي التعجيل أو نحوه اعتد بذلك وإلا فلا ونزلوا الروايتين على سبيل الغصب لم يعتد بها وإن كان أخذها على وجه الزكاة ونوى الدافع التعجيل أو نحوه اعتد بها ونزلوا الروايتين على ذلك ومنهم صاحب المحرر في شرح الهداية ونزل حفيده أبو العباس الروايتين على أن الساعي إن اعتد له بها ظلمه أجزأته وإلا لم يجزه وفي كلام أحمد ما يشهد لطريقة أبي البركات.
ففي مسائل أبي داود قلت لأحمد بلاد صالحوا على مال مسمى فكان على أرض رجل مائة درهم فيخرج عليه أعني زيادة على المائة قلت فيحتسب الزيادة التي زادوا عليه من العشر قال لا قال هذا مثل غصب يغصب هذا على أنه يؤخذ منه يعين عليه مثل مؤنة بحفر الأنهار والمؤن التي تلزم صاحب الأرض وآخر الرواية بدل على أنه إن أخذ منه بسبب الخراج احتسب به من العشر وإن أخذ منه بسبب آخر غير الخراج من مؤن الأرض ونحوها لم يحتسب فتتفق حينئذ رواية حرب السابقة ورواية أبي داود انتهى ما ذكره الشيخ فسح الله في مدته والله سبحانه وتعالى أعلم.